أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
177
العقد الفريد
خوف المضج ؛ فهم بين شريد باد ، وبين خائف منقمع وساكت مكعوم « 1 » ، وداع مخلص ، وموجع ثكلان ؛ قد أخملتهم التّقيّة ، وشملتهم الذلة ؛ فهم في بحر أجاج ؛ أفواههم ضامرة ، وقلوبهم قرحة ؛ قد وعظوا حتى ملوا ، وقهروا حتى ذلوا ؛ وقتلوا حتى قلّوا ؛ فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ « 2 » ، وقراضة الجلمين ؛ واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم ، وارفضوها ذميمة ، فقد رفضت من كان أشغف بها منكم . وليزيد بن معاوية بعد موت أبيه الحمد للّه الذي ما شاء صنع ، من شاء أعطى ومن شاء منع ، ومن شاء خفض ومن شاء رفع . إن أمير المؤمنين كان حبلا من حبال اللّه ، مدّه ما شاء أن يمده ، ثم قطعه حين أراد أن يقطعه ؛ وكان دون من قبله ، وخيرا مما يأتي بعد ، ولا أزكّيه عند ربه وقد صار إليه ؛ فإن يعف عنه فبرحمته ، وإن يعاقبه فبذنبه ؛ وقد وليت بعده الأمر ، ولست أعتذر من جهل ، ولا أني على طلب علم ؛ وعلى رسلكم « 3 » إذا كره اللّه شيئا غيره ؛ وإذا أحب شيئا يسّره . وخطبة ليزيد أيضا الحمد للّه أحمده وأستعينه ، وأومن به وأتوكل عليه ، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ؛ من يهد اللّه فلا مضلّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ؛ وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، اصطفاه لوحيه ، واختاره لرسالته ، بكتاب فصّله وفضّله ، وأعزّه وأكرمه ، ونصره وحفظه ؛ ضرب فيه الأمثال ، وحلّل فيه الحلال وحرّم فيه الحرام وشرع فيه الدين إعذارا وإنذارا : لئلا يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل ، ويكون بلاغا لقوم عابدين . أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه العظيم الذي ابتدأ الأمور بعلمه وإليه يصير معادها ،
--> ( 1 ) المكعوم من الإبل : الذي يشد لئلا يعض أو يأكل . ( 2 ) القرظ : ورق السلم . ( 3 ) على رسلكم : لا تعجلوا .